لم اصدق عندما رن هاتفي النقال وكان المتحدث ذلك المسؤول الرفيع بالدولة ..
قال لي بصوت حنون ادعوك الليلة لتناول وجبة العشاء معي ، قلت له بلا مجاملة وماهي المناسبة ؟
اجابني بهدوء .. اتمنى ان استأنس برأيك حول احوال الثقافة والصحافة في البلاد ..
قلت له اذا كان الأمر كذلك فأنا قادم لهذه الدعوة ولكن ارجو ان لايكون الطعام سمينا لأني اعاني من ارتفاع السكّر في الدم ، ضحك المسؤول الرفيع وقال : لأجلك ستكون وجبة العشاء خالية من الدهون والسكريات ،
وفي الموعد المحدد حضرت الى المنطقة الخضراء ، اخذتني سيارة رباعية حديثة الى قاعة فارهة في قصر المسؤول الرفيع وماهي الا لحظات حتى اطل رئيس الوزراء بشحمه ودمه مصافحا كفي بحرارة ودعاني للجلوس في مقعد رئاسي وثير الى جواره ..
استأذنته ان ادخن سيجارة فتكدّرت ملامح وجهه وتبرّمت شفتيه وسمح لي بتدخين سيجارتي ولكن على مضض ، قلت له اذا كان دخان سيجارتي قد ازعجك فماذا ستفعل لو دخل دخان حزن الناس الى المنطقة الخضراء ؟
تبسم بوجهي بطريقة دبلوماسية مكشوفة وقال دعنا من احزان الناس وتحدث لي عن احوال الثقافة والصحافة ،
قلت له وهل يتسع صدرك الى حديثي وانت الذي انزعجت من دخان سيجارتي ؟
قال لي وقد نفد صبره .. لم يخطىء مستشاري الثقافي ماقاله عنك ؟ قلت له وماذا اخبرك عني ؟
تبسم رئيس الوزراء زيفا كعادته ثم قال : يقول عنك .. انك صعلوك .. تعشق حرمان الرصيف وتمقت الجاه والثراء ..
وقال عنك سليط اللسان حتى لوكنت على حبل مشنقة وتتمتع بصراحة تدين بها نفسك قبل غيرك ولذا حرصت ان اراك حتى اعرف الخيط الأبيض من الأسود ،
قلت له : ابعد عن مخيلتك وجود اي خيط ابيض .. الخيوط كلها سود مثل فجيعة عاشوراء ، بدءا من شبكة الإعلام العراقي وليس انتهاء بجريدة الدولة ..
قال لي ولكن الذي اعرفه ان من يحتلون المناصب فيها هم من اصدقائك ؟
قلت له كانوا اصدقائي عندما كنا نتقاسم الشعر والهم والجوع والفكرة النبيلة سوية اما الآن .. فهم في نعيم ويخشون على مناصبهم اكثر من خشيتهم عليك ،
قال وهل تظن اني لم احسن اختيار الناس لهذه الشبكة ؟
قلت له : يمكن ان تسأل اي بائع كتب في شارع المتنبي عنهم حتى تعرف الحقيقة ، قال لي وماهي حقيقتهم ؟ قلت له : مهادنون حتى الرمق الأخير ويرتدون زي الحكومة التي تجلس في المنطقة الخضراء ،
قال لي : ولكن تأكد اني لم اتدخل في شؤونهم ، قلت له اعرف ذلك ولكنك عرفت من تختار ؟
قال كيف ؟
قلت له .. لقد اخترت الصنف الذي لا يزعجك ولا يزعج المنطقة الخضراء حتى لو كنت عنهم بعيد ، لقد اخترت الدواجن والثعالب في الثقافة العراقية وصحافتها ، ولم يرشدك اي مخلص الى ديوك وضباع الثقافة والصحافة الذين ينتشرون في الأزقة والشوارع والساحات .
قال لي وهل نحن حكومة دواجن ؟
قلت له بلى والله مادام الذين يشرفون على الكلمة الصحفية من الدجاج ، شعرت ان الغضب بان على ملامح رئيس الوزراء لكني قلت له : اتمنى ان تمشي وراء الذي يبكيك ولا تمشي وراء الذي يخدعك بالضحكات ..
حاس رئيس الوزراء على مقعده وتلفت الى احد الخدم وقال له : اجلبوا لي قهوة مرة لأن حديث ضيفنا يقطر مرارة ، قلت له ولكن بوسعك يا اخي ان تجعل حياة الناس مجبولة بالعسل ..
قال لي متلهفا : كيف باالله عليك ؟
قلت له ان تظهر للناس جميعا وتقول : والله لن اتناول فطوري مالم اوقن ان كل عراقي قد تناول فطوره ؟
قال لي ولكن هذا مطلب عسير ؟
قلت له اذن لماذا تخدع الناس بتصريحات رنانة وطنانة ، والله لوكنت محلك لتركت المنصب في المنطقة الخضراء ونصبت خيمة في الباب الشرقي التقي بها الناس ، اسمعهم واشاركهم اوجاعهم وحرمانهم ، ربما نسيت يارئيس الوزراء معلمنا الكبير الإمام علي بن ابي طالب " ع " ، والذي اعرفه ان حزبكم ينهل افكاره ودساتيره من ذلك الإنسان البسيط في تعامله مع الناس والكبير في اعماله ..
قال لي : اصبت والله .. ربما زحمة المشاغل انستني ذلك ،
قلت له : لا ادري كيف تزدرد لقمتك بعافية والجوع والحرمان يفتك بالناس حول المنطقة الخضراء ؟
قال لي ماعدت اتحمل صراحتك .. انت تطلب مني اشياء مستحيلة ، انا رفعت من الدخل المعايشي لجميع الناس وصار الناس بوسعهم يأكلون مالذ وطاب من الطعام ،
قلت له ولكنك يا رئيس الوزراء لم تدخل الى بيوت الناس الفقراء حتى تعرف ماذا يأكلون ؟ الا تشعر بالحرج وانت ترى امرأة بعمر والدتك تفترش الرصيف وتبيع السجائر للناس ؟ اما تشعر بالوجع وانت ترى الناس تقف بالطابور حتى تحصل على دجاجة الكفيل بسعر مدعوم ؟ وماذا تقول عن هؤلاء الصبيان الذين يملؤن الساحات وهم يبيعون المناديل الورقية والبنزين والحبوب المخدرة ؟ بل ماذا تقول عن السجون السرية التي لاتليق بسيرة رجل مسؤول ومثقف يفهم بنحو اللغة العربية وزحافها اللعين مثلك ؟!
صرخ رئيس الوزراء بوجهي كفى تقريعا .. والله لو لم تكن ضيفي لجعلت لسانك هذا طعما للأسماك ؟؟
قلت له بوسعك ان تقطع لساني ولكن هل بوسعك ان تقطع لسان الناس ..؟
كما اني لم اخبرك الا بفتات قليلة من اوجاع الناس والبلاد ، نهض رئيس الوزاء منزعجا وغادر المكان ونسى انه دعاني على وجبة عشاء رئاسية خالية من النفاق والمكر والتملق والدجل والدسم .